يقدّم جوليان بورجر قراءة نقدية حادة لفكرة «مجلس السلام» الذي أطلقه دونالد ترامب، معتبراً أن الأمم المتحدة وقعت في فخ سياسي كلاسيكي، إذ اعتقدت أنها تربط الرئيس الأميركي بمسار سلام في غزة، بينما وجدت نفسها تدعم كياناً مختلفاً تماماً في الشكل والجوهر. يرى الكاتب أن المجلس خرج بصورة نادٍ عالمي تديره إرادة ترامب الشخصية، ويسعى إلى إزاحة الأمم المتحدة عن دورها التقليدي في إدارة النزاعات.


تشير الجارديان إلى أن أعضاء مجلس الأمن صوّتوا في نوفمبر لصالح القرار 2803 أملاً في منح غطاء أممي لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وللحفاظ على انخراط ترامب في الملف. ركّزت النقاشات حينها على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعلى أمل تحقيق سلام دائم، حتى مع تحفظات روسيا والصين. غير أن الصورة التي تكشفت لاحقاً بدّدت هذه الآمال.


من غزة إلى نادٍ عالمي دائم


يوضح بورجر أن ميثاق «مجلس السلام» الذي وُزّع لاحقاً على العواصم يخلو تماماً من أي ذكر لغزة. بدلاً من ذلك، يقدّم المجلس كهيئة دائمة لتعزيز السلام والحكم الرشيد حول العالم، مستخدماً لغة توحي بالفاعلية والمرونة، وبالقدرة على تجاوز «المؤسسات التي فشلت». يرى الكاتب أن هذه الإشارة تستهدف الأمم المتحدة بوضوح، خاصة مع استخدام مصطلح «ميثاق» الذي يستدعي ميثاق الأمم المتحدة نفسه، ولكن دون الإشارة إلى مبادئ أساسية مثل تقرير المصير أو حقوق الإنسان.


ينتقد المقال تركيبة المجلس، حيث يحتكر ترامب رئاسته وسلطاته، فيختار الأعضاء ويحدد جدول الأعمال ويصدر القرارات منفرداً. يسمح النظام بعضوية دائمة فقط مقابل مليار دولار نقداً، دون ضمان حقيقي للاستمرار. يقارن بورجر هذا الترتيب بعيوب مجلس الأمن، لكنه يراه أكثر ظلماً، لأنه يستبدل امتياز الدول الكبرى بنظام مالي صريح لا تقدر عليه إلا الدول الثرية، مع فيتو مطلق بيد شخص واحد.


إقصاء الأمم المتحدة وتسييس إعادة الإعمار


يرى الكاتب أن المجلس، رغم غياب غزة عن ميثاقه، يحتفظ بهياكل موازية تتعلق بالقطاع، مثل مجلس تنفيذي خاص، ولجنة وطنية لإدارة غزة، وقوة استقرار دولية يقودها جنرال أميركي. يسمح هذا الهيكل نظرياً بدعم وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار، لكنه عملياً يفتح الباب لإقصاء وكالات الأمم المتحدة التي أدارت تاريخياً عمليات ما بعد النزاعات، واستبدالها بمشاريع تجارية مدفوعة بالربح.


يشير المقال إلى تعيين نيكولاي ملادينوف، الدبلوماسي الأممي المخضرم، كممثل رفيع محتمل في غزة، لكنه يرى أن نفوذه سيظل محدوداً أمام حضور رجال المال المقربين من ترامب، مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. يضيف بورجر أن الحكومة الإسرائيلية تعارض المضي في المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وترفض أي عودة لحكم فلسطيني أو مشاركة أطراف إقليمية مثل تركيا وقطر، ما يجعل هياكل المجلس شبه معطلة على الأرض.


سلام شكلي وكلفة سياسية باهظة


يصف الكاتب الوضع الراهن بأنه يخدم إسرائيل، التي تستعيد رهائنها وتحتفظ بحرية الضرب دون كلفة حرب شاملة، بينما يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في حالة انتظار قاسية، بلا إعادة إعمار حقيقية ولا أفق سياسي. يوسّع بورجر النقد ليشمل طموحات المجلس خارج غزة، معتبراً أنه لن يوقف نزاعات كبرى مثل الحرب في أوكرانيا، خاصة مع طرح أسماء مثيرة للجدل كمرشحين للعضوية.


يخلص المقال إلى أن «مجلس السلام» قد يتحول إلى مشروع استعراضي، يفرض على الدول خيارين أحلاهما مرّ: رفض الانضمام مع ما يرافقه من ضغوط وعقوبات تجارية، أو القبول بعضوية تقوّض الأمم المتحدة وتخضع لإرادة ترامب ورؤيته لنظام عالمي يقوم على النفوذ المالي والولاء السياسي. في هذا التصور، يرى بورغر أن العالم يُدفع نحو «محكمة إمبراطورية» حديثة، حيث تتنافس الدول على رضا الحاكم، بينما يتآكل النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.

 

https://www.theguardian.com/us-news/2026/jan/20/trumps-board-of-peace-is-an-imperial-court-completely-unlike-what-was-proposed